صيغة تضامن وتعاون جديدة بين تونس وفلسطين

Submitted by admin on Sun 07/07/2019 - 09:19
طارق لوباني
Auteur
احتضنت قاعة "الرّيو" للسّينما والمسرح وكليّة الطّب بتونس خلال شهر مارس الماضي، محاضرتين تتميّزان بأهميّة استثنائيّة، ألقاهما الدّكتور طارق لوباني الأستاذ بجامعة "وسترن يونيفيرستي، أونتاريو، كندا" (Western University, Ontario)  تحت عنوان : تقديم الرّعاية الطّبيّة على خطوط الجبهة وفي مستشفيات غزّة. والدكتور لوباني طبيب كندي من أصول فلسطينيّة مختصّ في طبّ الطّوارئ وهو من أفضل المطّلعين على الأوضاع الدّاخلية في غزّة حيث زارها أكثر من خمس وعشرين مرّة خلال السّنوات الأخيرة. وقد اندرجت المحاضرتان في إطار جولة إعلام حول الوضع الإنسانيّ الكارثي في القطاع. كما قادته الجولة إلى باريس ولندن ثم إلى جينيف حيث أخذ الكلمة يوم 18 مارس أمام ممثّلي الدّول المجتمعين في إطار مجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتّحدة، لمناقشة تقرير اللّجنة التي كوّنتها المنظّمة الأمميّة في شهر ماي 2018 والواقع في 252 صفحة. وقد أوكلت إلى تلك اللّجنة مهمّة التّحقيق في خروقات القانون الدّولي خلال المظاهرات في قطاع غزّة.
 
ومنذ سنوات عديدة يتحدّى الدكتور طارق لوباني شتّى الأخطار ليقدّم المساعدة لأهالي غزّة، منقذا بإصراره البطولي حياة الكثيرين حيثما دعته الأوضاع الطّارئة للتّدخّل؛ وهو، يبذل إلى ذلك، جهدا لافتا في ابتكار الحلول المميّزة للتّخفيف من عناء أهالي القطاع ومنها إرساء مشاريع طويلة الأمد. ويروي الطّبيب كيف خامرته فكرة مشروع صناعة أدوات طبيّة داخل غزّة ومن أجلها باستعمال الطّباعة ذات الأبعاد الثّلاثة. نشأت الفكرة إثر مهمّة إنسانيّة بغزّة خلال حرب 2014، ولم تكن آنذاك السّمّاعات الطّبيّة متوفّرة بما يكفي للكشف عن الجرحى الوافدين بأعداد كبيرة إلى المستشفى. وقد أصبح ذلك المشروع المسمّى "غليا" (Glia) حقيقة واقعة تساعد في الصّمود في مواجهة الحصار الذي تفرضه إسرائيل. ومن نجاحاته الأولى تصنيع سمّاعات طبّية انطلاقا من مادّة البلاستيك المدوّر. ورغم أن ثمن الواحدة من تلك السّمّاعات لا يتجاوز الثّلاثة دولارات، إلاّ إنّها تساوي في أدائها ثاني أشهر الأجهزة ذات المواصفات الحرفيّة في السّوق، وهي سمّاعة "ليتمان ـــ كارديولوجي ـــ 3" (Littmann-cardiologie-3) التي تُباعُ بما لا يقلّ عن 250 دولارا. كما صمّمت Glia روابط من البلاستيك (Garrots)تُستعمَلُ بنجاح في الحدّ من عدد الوفيّات بفعل النّزيف ما بين ضحايا القنّاصة الإسرائيليين.
 
لقد أثار مشروع Glia الذي له حاليّا فرع في كندا وآخر في غزّة، اهتماما كبيرا في تونس على إثر زيارة الدّكتور طارق لوباني. وسرعان ما نمت فكرة إطلاق فرع جديدة للمشروع في تونس بدفع من فريق من المهندسين والأطبّاء التّونسيين ومشاركة الدّكتور طارق لوباني. وسيبدأ تنفيذ الفكرة يوم 4 جويلية في إطار شراكة بين Glia International والمعهد العالي الخاصّ للهندسة والتّكنولوجيات (Esprit) وكليّة الطّبّ بتونس. وسيتيح هذا التّعاون لتونس تطوير إمكانات هامّة في مجال هندسة الطّبّ الإحيائي بهدف تحسين الرّعاية الطّبيّة للمرضى في تونس وفي إفريقيا الشّمالية على نحو أعمّ؛ كما يساهم في مواجهة حالات النقص المتكرّرة في قطاع الصّحّة بتونس.
 

وسيُقام أوّل مُختبر في مدرسة المهندسين Esprit . ولهذا الغرض سوف يقدم إلى تونس مهندسان من غزّة وطالبان من كندا لتأهيل فريق تونسي مكوّن من طلبة في الطّبّ وآخرين في الهندسة. ويُقام في إثره مختبر ثان بكلّية الطّبّ بتونس كما أنّ المشروع مفتوح لأيّ شراكة من جانب مؤسّسات أخرى.

إنّ عمليّة نقل التّكنولوجيا هذه من غزّة إلى تونس، إنّما هي مُنْطَلَقٌ لِصيغةٍ جديدة من التّضامن والتّعاون بين الشّعبين الشّقيقين الفلسطينيّ والتّونسي. وإنّ ما طوّره الفلسطينيون من أفكار ذكيّة وإنجازات مبتكرة في مواجهة الحصار الإسرائيلي لغزّة سوف يساهم في تحسين قطاع الصّحّة بتونس الذي يشهد خلال السّنوات الأخيرة أزمات كثيرة. و في المرحلة ثانية، سوف تسمح المهارة التي يكتسبها الأطبـّاء و المهندسون التّونسيون، و المعترف بها عبر العالم، بتطوير أدوات طبيّة جديدة ذات مواصفات عاليّة وبتكلفة زهيدة تعود بالنّفع على تونس وفلسطين والإنسانيّة قاطبة.

أحمد عبّاس : مدير بحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وبمعهد الدّراسات العليا العلميّة بباريس. ومنسّق الجمعيّة التّونسيّة من أجل الدّفاع عن حقوق الفلسطينيين، وهو أمين الجمعيّة الفرنسيّة للجامعيين من أجل احترام القانون الدّولي في فلسطين (AURDIP).