تدين الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية لإسرائيل بقوّة النّدوة التطبيعية مع العدو الصهيوني التي انعقدت بتونس

Submitted by admin on Mon 21/10/2019 - 00:04
IEMed
Auteur

   تدين الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية لإسرائيل (TACBI)، بقوّة النّدوة التي انعقدت بتونس من 14 إلى 17 أكتوبر 2019 ،تحت عنوان "التّهديدات غير التّقليديّة والأمن في البحر الأبيض المتوسّط ـــ التّحدّيات في الحاضر والمستقبل، الإجابات المشتركة والاستراتيجيات الجديدة"، بتنظيم مشترك بين المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسّط (IEMed) ومركز الدّراسات الإستراتيجية للشّرق الأوسط وجنوب آسيا (NESA).

ويشير برنامج النّدوة الرّسميّ إلى مشاركة غاليا غولان ـــ جيلد، (Galia Golan-Gild) الأستاذة بمركز هيرتزليا (Herzliya) متعدّد الاختصاصات و بالجامعة العبرية في القدس. إنّنا نجهل ظروف دخول هذه المشاركة الإسرائيلية إلى تونس، وخاصّة إن كانت دخلت بجواز سفر إسرائيلي أو بجواز آخر؛ إلاّ أنّ انتماءها المذكور في برنامج النّدوة لا يدع مجالا للشّكّ في أنّها دُعِيت بصفتها جامعيّة إسرائيليّة. والدّليل على ذلك، تقديم المنظّمين للنّدوة الذي جاء فيه :

"في ظلّ ترابط مسائل الأمن المذكورة، يصبح من المتأكّد التّعجيل بربط أفضل بين "الأمن النّاعم" و "الأمن المـُشَدّد"، ومعالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار في المنطقة والتّركيز على إمكانات التّعاون والشّراكة الإقليميّة. وتحقيقا لذلك يدعو المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسّط (IEMed) ومركز الدّراسات الإستراتيجية للشّرق الأوسط وجنوب آسيا (NESA) الخبراءَ في المنطقة إلى تبادل وجهات النّظر مع أفضل المعمول به وطنيّا واقتراح حلول إقليميّة".

   نستنتج، إذن، أنّ غاليا غولان ـــ جيلد تمثّل الدّولة الاستعماريّة الصّهيونيّة، إلى جانب ممثّلين لِبعض الدّول العربيّة مثل المغرب ولبنان والأردن والدّولة المضيّفة تونس.

   وحسب تعريف الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية (PACBI) فإنّ "التّطبيع (مع العدوّ الصّهيوني) هو المشاركة في كلّ مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلّي أو دولي، مصمّمٌ خصّيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير المباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسّسات) ولا يهدِفُ صراحةً إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكلّ أشكال التّمييز والاضطهاد المـُمارس على الشّعب الفلسطيني". وتعطي الحملة الفلسطينيّة كأحد أهمّ الأمثلة على التّطبيع "إقامة أيّ نشاط أو مشروع يدعو له طرفٌ ثالث أو يفرضه على الطّرف الفلسطيني/العربي، يساوي بين "الطّرفين" الفلسطيني والإسرائيلي (أو العربي) في المسؤولية عن الصّراع، أو يدّعي أنّ السّلام بينهما يتحقّق عبر التّفاهم والحوار وزيادة أشكال التّعاون بينهما، بمعزل عن تحقيق العدالة".

   وبالنّظر إلى أهدافها المـُعْلَنَة وإلى قائمة المشاركين فيها، فإنّ النّدوة حول "التّهديدات غير التّقليديّة والأمن في البحر الأبيض المتوسّط" هي إذن نشاط تطبيعي مفضوح أُقيم بتونس.

   إنّ أهداف المركز الأوروبي للبحر الأبيض المتوسّط الشّريك في تنظيم النّدوة، ومثلها "مبادئ" عمليّة برشلونة للشّراكة الأورومتوسّطيّة التي يمتثل لها المركز، تتطابق تماما مع ذلك التّعريف للتّطبيع. والجدير بالذّكر أنّ مجلس التّوجيه في هذه المؤسّسة يضمّ من بين أعضائه شلومو بن عامي الوزير الإسرائيلي السّابق للشّؤون الخارجيّة والوزير السّابق للأمن العمومي، إلى جانب ممثّلين عن البلدان العربيّة من المنطقة المتوسّطيّة، ومن ضمنهم مندوبون عن تونس مثل جلّول عيّاد وزير الماليّة السّابق والرّئيس الشّرفي لـ "ميد كونفيديريشن" (Med Confederation)، والكاتبة هالة الباجي، والطّيب الزّهّار الرّئيس المدير العام والمالك لـِلمجلّة الأسبوعيّة "حقائق" (Réalités)، ورئيس الجامعة التّونسيّة لمديري الصّحف.

   أمّا الشّريك الآخر في تنظيم النّدوة فهو مركز البحوث الإستراتيجيّة للشّرق الأوسط وجنوب آسيا ويتبع وزارة الدّفاع الأمريكيّة؛ ومديره الفريق تيري أ. وولف (LTG Terry A. Wolff) هو الذي افتتح النّدوة، وهو جنرال سابق في الجيش الأمريكي وقد خدم ثلاث مرّات في العراق خلال سنوات 2003 و 2006 و 2010. وقد بيّنت وثيقةٌ وُزِّعت على المشاركين أنّ النّدوة قد حظيت بدعم ماليّ من القيادة العسكريّة الأمريكيّة في إفريقيا (AFRICOM) ممّا يسلّط ضوءا جديدا على الموضوع العام لهذه النّدوة وعلى الهاجس الأمني الذي تتأسّس عليه  كما يبدو في الفقرة التّالية :

   إنّ المقاربات المتوسّطيّة في مجال الأمن تختلف كثيرا من دولة إلى أخرى، كما أنّ طرق إدراكها للأمن تبدو متباينة وأحيانا متناقضة. غير أنّ التّحدّيات التي تواجه مباشرة الأمن الإنساني هي تحدّيات مشتركة تُطْرَحُ على كلّ البلدان المتوسّطيّة؛ وأصحاب القرار السّياسي يدركون تمام الإدراك تهديدات الإرهاب والصّراعات الاجتماعية؛ وهناك مسائل أخرى مثل الطّاقة والتّزوّد بالماء والغذاء وتغيّر المناخ والهجرات البشريّة لا يُنظَرُ إليها في الغالب كقضايا "أمن" جديرة بالعناية ذاتها.

   يطرح موضوع الجلسة الثّالثة للنّدوة : "نتائج نقص الغذاء والماء في البحر الأبيض المتوسّط". ولا ندري إذا ما تمّت مناقشة أزمة الماء في فلسطين أو حتّى مجرّد الإشارة إليها. وإذا ما تمّ ذلك فعلا فلا شكّ أنّ الأزمة تمّ توصيفها كنتيجةٍ للظّروف المناخيّة في المنطقة. والواقع أنّ إسرائيل تستعمل حاليا 85 % من موارد المياه المشتركة في الضّفّة الغربية، تاركة الفلسطينيين يعانون من نقص مائيّ فادح. فلا يكفي إسرائيل هيمنتُها على موارد المياه بالضّفّة، وإنّما يُلاحَظُ أنّ  هيئة المياه الفلسطينيّة نفسها تعتمد تماما على إسرائيل كمزوّد رئيسي بالمياه وتشتري الماء منها منذ اتّفاقيات أوسلو.

   وناقشت الجلسة الرّابعة من النّدوة "الوضع الجيوسياسي للغاز الطّبيعي في الحوض الشّرقي للمتوسّط". وهنا أيضا لا يُرجّحُ أن يكون المحاضرون ناقشوا أو حتّى أشاروا مجرّد إشارة إلى استمرار الشّركات الأمريكية والإسرائيليّة بموافقة من الحكومة الإسرائيليّة في شفط الغاز الطّبيعي  من المياه الإقليميّة لغزّة، وفي ذلك ما فيه من خرق للقانون الدّولي مثلما أثبته رجل الاقتصاد الإسرائيلي شير هيفر (Shir Hever) سنة 2017. وعلى العكس من ذلك، فإنّ مداخلة أحمد قنديل مسؤول برنامج البحوث حول الطّاقة في مركز الأهرام للدّراسات السّياسيّة والإستراتيجيّة، قد ألمحت إلى أنّ العقد المُبرم سنة 2018 من قِبلِ إسرائيل لتزويد مصر بالغاز الطّبيعي قد يكون نوقش وقُدِّمَ كنموذج يُحتذى؛ ومن جهته أكّد بنيامين نتنياهو أنّ ّذلك سيدرّ المليارات على خزائن الدّولة (الإسرائيليّة)".

   أمّا الجلسة الخامسة من النّدوة فقد كان موضوعها "التّكنولوجيا كمحرّك للتّغيير ومنشّط للتّنمية الإنسانيّة المستدامة". وفي هذا الصّدد كشفت منظّمة العفو الدّولية في الفترة الأخيرة أنّ المدافعين عن حقوق الإنسان في المغرب  كانوا هدفا لبرنامج تجسّس خبيث  من صنع الشّركة الإسرائيليّة "ن.س أو" (NSO). كما تتربّح الشّركة الإسرائيليّة (AnyVision) المختصّة في تكنولوجيا التّعرّف على الوجوه، من خرق إسرائيل للحقوق الإنسانيّة للفلسطينيين، وهي تصدّر تكنولوجيتها المُستعمَلَة في الرّقابة القمعيّة إلى العالم بأسره. وتقوم AnyVision بدور مباشر في الاحتلال العسكري في الضّفّة الغربية بما في ذلك الجدار العازل غير القانوني ونقاط التّفتيش العسكرية الإسرائيلية. وحسب الجيش الإسرائيلي، تساهم AnyVision في "برنامج تقوية" لنقاط التّفتيش في الضّفّة الغربيّة بإضافة تكنولوجية لـ "نقاط تعرّف ومراقبة" جديدة.كما تقوم AnyVision بتعهّد كاميراتٍ للجيش الإسرائيلي في قلب الضّفّة الغربيّة من أجل التّجسّس على الفلسطينيين والسّماح للجيش باستهداف المدنيين على نحو خارجٍ تماما عن القانون. وفي 16 ماي 2019، أعلنت شركة فيسبوك أنّها أغلقت 265 حسابا تابعا لشركة إسرائيلية هدفُها التّأثير في الرّأي العام، خاصّة في البلدان الإفريقية؛ منها 11 صفحة تتعلّق بتونس. وقد أثبت الموقع الإخباري "إنكفاضة" (Inkyfada) أنّ محتوى تلك الصّفحات يهدف إلى التّأثير على النّاخبين التّونسيين في الانتخابات الرّئاسيّة والتّشريعيّة المُرتَقَبة. فهل نوقِشتْ هذه المواضيع أم أهل أشير إليها ولو بمجّرد إشارة خلال النّدوة؟

   إنّ إغفال الخوض في تلك المواضيع يؤكّد الصّفة التّطبيعيّة لتلك النّدوة المنعقدة بتونس. وفعلا فإنّ الحملة الفلسطينيّة PACBI تعتبر تطبيعا "أيّ مشروع يغطّي أو يميّع وضع الشّعب الفلسطيني كضحيّة للمشروع الكولونيالي الإسرائيلي أو يحاول إعادة قراءة تاريخ الصّراع بحيث يقدّم الرّواية الإسرائيليّة كرديف أو موازٍ للرّواية الفلسطينيّة عن جذور الصّراع وحقائق الاقتلاع والتّهجير".

   ولنذكر في الأخير مشاركة تونسيين آخرين في هذه النّدوة، ومنهم المنصف الهرّابي رئيس الشّركة التّونسية للكهرباء والغاز وسليم الشّريف، مدير دائرة الشّرق الأوسط وإيران والسّودان بوزارة الشّؤون الخارجيّة و تسنيم شيرشي، مديرة مؤسسة ياسمين وابنة راشد الغنّوشي الرّئيس المؤسّس لحزب النّهضة.

   إنّ هذه النّدوة ما هي إلاّ حدث جديد في قائمة طويلة من ممارسات التّطبيع التونسي مع العدوّ الصّهيوني، التي كشفتها الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية (TACBI) ومنظّمات المجتمع المدني الأخرى منها الاتّحاد العام التّونسي للشّغل  و الحملة التّونسيّة لمقاطعة ومناهضة التّطبيع مع الكيان الصّهيوني. لقد ظلّت نداءاتنا للحكومة التّونسيّة من أجل وضع حدّ لحالات التّلبّس بالمبادلات التّجاريّة مع إسرائيل، دون إجابة؛ كما أنّ مجلس نواب الشّعب الذي قارب نهاية عهدته أعوزته الفاعليّة في مقاومة التّطبيع مع العدوّ الصّهيوني. وقد طالبت الحملة التّونسيّة TACBI والاتّحاد العام التّونسي للشّغل فتح تحقيق بخصوص النّشاطات الحقيقيّة لشركة النّقل الإسرائيليّة "زيم" (ZIM) في تونس وبخصوص شركائها التّونسيين والأجانب، لكن دون جدوى.

   إنّنا نطلب من نواب الشّعب تّونسي الجدد ومن العدالة أنّ تبحث في مسألة تنظيم هذه النّدوة من أجل الكشف بمنتهى الوضوح عن ملابسات دخول المتدخّلة الإسرائيليّة إلى التّراب التّونسي وعن المنظّمات الدّوليّة ومصالح الدّولة التي قد تكون سهّلت من قريب أو بعيد هذا الفعل التّطبيعي المتجاوز للقانون مع العدوّ الإسرائيلي. ويتّجه نداؤنا بالأخصّ إلى رئيس الجمهوريّة الجديد الذي حظيت تصريحاته لصالح الحقوق الثّابتة للشّعب الفلسطيني بترحيب واسع من قِبَلِ الأغلبيّة السّاحقة للشّعب التّونسي ومن الرّأي العام العربي، خاصّة في فلسطين المحتلّة.

إنّ دستورنا والقانون الدّولي والأخلاق تفرض القطع مع كلّ أشكال التّطبيع مع الدّولة الاستعماريّة الصّهيونيّة.

الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية لإسرائيل (TACBI)