الاتحاد الأوروبي يجب ان يكف عن دعوة الإسرائيليين إلى تونس

Submitted by admin on Thu 05/12/2019 - 23:03
Bergamini
Auteur

إلى سعادة السّيّد باتريس بيرغاميني

سفير الاتّحاد الأوروبي بتونس

تونس في 4 ديسمبر 2019

 

سيّدي السّفير،

علمت الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية لإسرائيل بمنتهى الذّهول أنّ مندوبية الاتّحاد الأوروبي بتونس تعتزم دعوة شبّان إسرائيليين إلى تونس خلال شهر جانفي 2020، في إطار برنامج بعنوان "حوار متوسّطي من أجل الحقوق والمساواة" (Med Dialogue for Rights and Equality)، بتمويل من الاتّحاد الأوروبي. وفعلا فقد أطلق الاتّحاد نداءً للرّاغبين في المشاركة من أجل "رفع التّحدّيات البيئيّة في البحر الأبيض المتوسّط" يستهدف شبّانا من عشر دول في منطقة جنوب المتوسّط. وبحسب هذا النّداء المنشور على موقع مندوبيتكم الإلكتروني، فمن المُزمَعِ "اختيار 20 قائدًا وقائدةً من الشباب" للمشاركة في "مخيم تدريبي يمتد على 4 أيام بتونس العاصمة  من 27 إلى 30 جانفي 2020". ويُشارُ إلى أنّ سنّ المترشّحين ينبغي أن تكون "بين 18 و 36 سنة" ويكونون من "مواطني الدول التالية : الجزائر، مصر، إسرائيل، لبنان، ليبيا، موريتانيا، المغرب، فلسطين، تونس وسوريا، أو أن ينتموا إلى جالية إحدى هذه الدول في الخارج، وبخاصةٍ السورية والفلسطينية منها".

   ومن خلال هذا النّداء،  تسمح المندوبية الأوروبيّة  بتونس لنفسها بأن تدعو إلى البلاد التي تستضيفها، شبّانا إسرائيليين في سنّ الخدمة ضمن جيش احتلالٍ يقترف يوميّا جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة ضدّالشّعب الفلسطيني الشّقيق، خاصّة في غزّة وفي القدس، وهم، بعبارة أخرى، أشخاص شاركوا أو سيشاركون قريبا، على خطوط الجبهة، في حرب استعمارية ضدّ الشّعب الفلسطيني.

   ولا يغيب عنكم أنّ تونس لا تعترف بإسرائيل ولا تقيم أيّ علاقة دبلوماسيّة مع هذه الدّولة. فالإسرائليون لا يستطيعون إذن أن يدخلوا التّراب التّونسي وليس هناك مجال لأيّ تبادل علميّ أو ثقافي أو تجاري بين البلدين. وإنّنا نتساءل كيف ستفعلون لاستقبال أولئك الشّبّان الإسرائيليين في تونس، إذ لا يمكننا تخيّل أن تكون السّلطات لتّونسية قد أعطت موافقتها على السّماح بدخول أشخاص إسرائيليين في انتهاك سافر للقانون.

   لقد كانت تونس دائما متضامنة كامل التّضامن مع الشّعب الفلسطيني الشّقيق في كفاحه من أجل الدّفاع عن حقوقه المشروعة والثّابتة ضدّ الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري الإسرائيلي. وإنّ ذلك الالتزام التّاريخي المنصوص عليه في مقدّمة دستورها قد تسبّب لها في اعتداءات إسرائيلية عديدة على ترابها، منها اغتيال الزّعيم الفلسطيني أبو جهاد بضاحية سيدي بوسعيد من قِبَلِ كومندوس إسرائيلي تابع للموسّاد يوم 16 أفريل 1988. وقد اعترف الضّابط الإسرائيلي قائد العملية ومنفّذ الاغتيال بالوقائع في حديث للصّحيفة الإسرائيلية يديعوت أحرونوت. وقبل ذلك بثلاث سنوات، في غرّة أكتوبر سنة 1985، قصف سلاح الجو الإسرائيلي مقرّ القيادة العامّة لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة بحمّام الشّطّ من ضواحي تونس. وقد تسبّب ذاك الفعل الحربيّ الذي أمر به الوزير الأوّل الإسرائيلي شيمون بيريس، في مصرع 68 شهيدا، منهم خمسون فلسطينيّا و 18 تونسيّا، إضافة إلى ما يقارب المائة من الجرحى وأضرار ماديّة كبيرة. وقد جاء في قرار مجلس الأمن عدد 573، أنّه "يدين بقوّة العدوان المسلّح الذي اقترفته إسرائيل على الأراضي التّونسية في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتّحدة والقانون وقواعد السّلوك الدوليين"، ويطلب تعويضات مالية عن الخسائر التي مُنيَتْ بها تونس، ويطلب من الدّول الأعضاء اتّخاذ تدابير لثني إسرائيل عن  اقتراف أعمال عدوانية مماثلة. وقد بقي ذلك القرار حبرا على ورق حيث أن إسرائيل تمادت دون عقاب في اغتيالاتها على أرض تونس، وكان آخرها في ديسمبر 2016 ولم تدفع تعويضات إلى اليوم.

   لقد كان حريّا بمندوبية الاتّحاد الأروبي، احتراما لِقانون البلد المضيّف والأعراف الدّبلوماسيّة، بأن لا تتّجه للشّبّان الإسرائيليين بنداء الرّغبة في الاشتراك والقدوم إلى تونس. ومن جهة أخرى فإنّ الدّول الأعضاء في المجموعة الدّولية مقيّدة بالتزامات هامّة ناتجة عن الانتهاكات بالغة الخطورة للقانون الدّولي التي تقترفها دولة أخرى. لقد تمّ التّنصيص بوضوح على الالتزامات المتعلّقة بالانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدّولي في فتوى محكمة العدل الدّولية (CIJ) الصّادر في لاهاي يوم 9 جويلية 2004، والذي حظي بدعم من أربعة عشر قاضيا من جملة خمسة عشر (كلّ القضاة ما عدا الأمريكي). وقد نُشِرَ ذلك التّقويم القضائي من قِبَلِ المحكمة بطلب من الجمعية العامّة للأمم المتّحدة، مع الإشارة الخصوصيّة إلى "التّبعات القانونيّة لبناء جدار على الأرض الفلسطينيّة المحتلّة"؛ وتعلن تلك الفتوى عن الصّبغة غير القانونيّة لجدار الفصل من وجهة نظر الشّرعية الدّولية، وكذلك للمستوطنات الإسرائيليّة المبنيّة على الأرض الفلسطينيّة المحتلّة؛ كما أنّ المحكمة تشير إلى أنّ على دولة إسرائيل أن تزيل جدار الفصل والمستوطنات.

   وجاء في تلك الفتوى أيضا (من الفقرة 154 إلى الفقرة 160) أنّ من مسؤولية  كلّ دولة عضو في المجموعة الدّولية، وكلّ المنظّمات الدّولية أن تعمل على أن تحترم دولة إسرائيل القانون الدّولي؛ وتوضح المحكمة أنّ ذلك واجب على كلّ دولة من المجموعة الدّوليّة وليس أمرا اختياريّا. ويستتبع ذلك الالتزام ممارسة كلّ أشكال الضّغط والعقوبات الضّرورية ضدّ دولة إسرائيل في كنف احترام القانون الدّولي وميثاق الأمم المتّحدة، حتّى الخضوع لفتوى المحكمة؛ وفيما يستمرّ الاستيطان دون عقاب في الضّفّة الغربيّة والحصار غير القانوني لغزّة، فإنّنا نأسف لعدم احترام الاتّحاد الأوروبيّ لهذا الالتزام كما نرى أنّ إشراك إسرائيل في البرامج الأوروبيّة هو أقرب إلى التشجيع منه إلى الضّغط أو العقوبة.

   إنّ اتّفاق الشّراكة بين الاتّحاد وإسرائيل الذي دخل حيّز التّطبيق في سنة 2000، فيه تسهيل كبير لتجارة دون حواجز بين الاتّحاد وإسرائيل ويسمح لهذه الأخيرة بالمساهمة في برامج ومشاريع لا يحظى به أيّ بلد آخر غير أوروبي؛ وينصّ الفصل 2 من ذلك الاتّفاق على أنّ "العلاقات بين الطّرفين ينبغي أن تستند إلى احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية التي توجّه سياساتها الدّاخليّة والدّولية وتشكّل عنصرا أساسيّا في الاتّفاق". إنّ التّطبيق المستمرّ لهذا الاتّفاق رغم الانتهاك الصّارخ للفصل الثّاني منه، يساهم في تمتّع إسرائيل بالإفلات من العقاب بطريقة فاضحة. لقد علّق الاتحاد الأوروبي اتّفاق شراكته مع سريلنكا سنة 2010 وطبّق إجراءات تضييقية على روسيا إثر ضمّها لأراضٍ أوكرانيّة، وعلى دول كثيرة أخرى انتهكت على نحو سافر حقوق الإنسان والقانون الدّولي في السّنوات الأخيرة. ويُعَدُّ عدم تطبيق إجراءات مماثلة على إسرائيل ممارسةً لسياسة الكيل بمكيالين، ومعناه المساندة الواضحة لانتهاكاتها المستمرّة للقانون الدّولي. وتصل مشاركة الاتّحاد الأوروبي في جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة التي ترتكبها ضدّ الشّعب الفلسطيني إلى حدّ تمويل شركات صنع سلاح إسرائيلية يُصْرَفُ من اعتمادات مخصّصة للبحوث الأوروبيّة. وهكذا فإنّ شركتي إلبيت سيستمس (Elbit Systems) و إسرائيل آيروسبيس إندستريز (Israel Aerospace Industries) أهمّ مزوّدي الطّائرات بدون طيّار المشاركة في الهجمات على غزّة، تساهمان في مشاريع كثيرة في إطار البرنامج الأوروبي هوريزون 2020 (Horizon 2020).

   لقد صادق البرلمان الأوروبي سنة 2002 على قرار يطالب فيه الاتّحاد الأوروبي بتعليق اتّفاق الشّراكة بينه وبين إسرائيل ما دامت هذه الدّولة لا تحترم حقوق الإنسان، غير أنّ ذلك القرار بقي حبرا على ورق في ازدراء سافر لأبسط المبادئ الديمقراطية. ولنذكّر من جهة أخرى أنّ الاتّحاد الأوروبي لم يصدر سوى احتجاجا فاترا عندما دمّرت إسرائيل متعمّدة مطار غزّة و بنًى تحتيّة أخرى أقيمت بتمويلات منه.

   فإذا كان الاتّحاد الأوروبي  يرغب حقّا في "رفع التّحدّيّات البيئيّة في البحر الأبيض المتوسّط" فما عليه إلاّ أن ينكبّ على الأزمة البيئيّة في فلسطين، وأسبابها بالأخصّ الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري الإسرائيلي. وكثيرا ما تُقَدَّمُ أزمةُ المياه في فلسطين على أنّها من تأثير الظّروف المناخيّة، بينما تستغلّ إسرائيل 85 بالمائة من موارد الماء المشتركة في الضّفّة الغربية، تاركة الفلسطينيين يعانون العطش؛ ولا يكفي إسرائيل أن تمارس هيمنتها على الوصول إلى موارد المياه، فإنّ الهيئة الفلسطينيّة للمياه تخضع لها  تمام الخضوع من حيث كونها المزوّد الرّئيسي بالماء الذي تشتريه منها منذ اتّفاقيات أوسلو. إنّ حصار إسرائيل لغزّة وحروبها عليها تسمّم حياة ساكني القطاع، فمياه الصّرف الصحّي تتسرّب إلى المياه الجوفية وتسيل نحو البحر. إنّ 97 في المائة من ماء غزّة المتضائلغير صالح للاستهلاك البشري؛ وتمنع إسرائيل الفلسطينيين من استعمال 20 بالمائة من أراضي غزّة الصّالحة للزّراعة وتسكب مبيدات الأعشاب على أراضيها الزّراعية. وحسب الأمم المتّحدّة فإنّ غزّة لن تكون صالحة للعيش في سنة 2020 ، ولعلّ الكارثة قد حصلت بعد وقُضِيَ الأمر.

   إنّنا نطالب مندوبية الاتّحاد الأوروبي بتونس باحترام الدّستور التّونسي، والأواصر التي تجمع الشّعب التّونسي بالفلسطينيين، واختياراته النّابعة من سيادته، والقواعد القانونيّة السّائدة وذلك بالكفّ عن دعوة مواطنين ينتمون إلى دولة عدوّة إلى التّراب التّونسي.

   وتقبّلوا، سيّدي السّفير فائق عبارات التّقدير.

 

الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافية لإسرائيل (TACBI).