صهيوني مناهض للاستعمار ؟ في ذكرى ألبير ممّي

Submitted by admin on Thu 02/07/2020 - 17:25
Albert Memmi

وُلد البير ممّي وترعرع في حارة اليهود بتونس، وتلقّى تعليمه بها وبالجزائر قبل أن ينقطع عن الدّراسة بسبب الحرب العالمية الثّانية. وبعد الحرب أنهى تأهيله بفرنسا ثم عاد إلى تونس حيث درّس الفلسفة وعمل صحفيّا، ومارس نشاطا كمختصّ في علم النّفس حتّى حصول تونس على الاستقلال في العام 1956؛ وعاد آنذاك إلى باريس حيث أقام حتّى وفاته (مايو 2020). كان ألبير ممّي كاتبا يهوديّا ـــ تونسيّا ـــ بربريّا ـــ عربيّا، ومع ذلك فقد خصّص في كتابه "يهود وعرب" الصّادر سنة 1974، فصلا  لصورة "اليهودي العربي"، محتجّا بأنّه لا وجود له في الواقع.

لابد من أن نتذكّر أنّ عبارة "يهودي عربي" "ليست مناسِبة (...) كما أنّ كلمة "عربي" ليست بأفضل منها إذْ تُطلق على مجموعات بشرية بالغة التّنوّع، بما فيها تلك التي تُسمّي نفسها عربًا وتظنّ أنّها كذلك" (1). ويضيف ممّي كاتبًا عن تجربته الشّخصيّة :" لم يعش اليهود قطّ في البلدان العربية إلاّ كأناس منقوصي الحقوق" (2) وكتب أيضا : "كان بودّنا أن نكون يهودا عربًا (...) إنّ العرب المسلمين هم الذين منعونا من أن نكون كذلك (...) بازدراء وقسوة" (3).

لستُ اختصاصية في تاريخ تونس وليس بوسعي إقامة الدّليل على صحّة التّجربة الخاصّة لممّي أو دحضها؛ وما أستطيع قوله إنّ ما يبدو ناقصا في تحليله هو وصفٌ لأوروبا وميراثها الاستعماري في هذا السّياق؛ فلا بدّ أنّه عرف وأحسّ شخصيّا في شمال إفريقيا بوقع معاداة السّامية الفرنسية التي أدخلها ونشرها المستعمرون الفرنسيون. إنّه من الغريب والمخيّب للآمال أن تكون أوروبا بصفتها مُسْتَعْمِرة غائبة تماما من الوصف الذي يرسمه للعداء المتنامي بين العرب واليهود في شمال إفريقيا خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين.

وعلى أي حال فإنّ ممّي هو مؤلّف كتاب "صورة المستعمِر وتليها صورة المُسْتَعْمَر"(1957 ,Portrait du colonisé, précédé par Portrait du colonisateur)، أحد أهمّ النّصوص المناهضة للاستعمار وأكثرها طرافة مع كتاب فرانتز فانون "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء" (1952) Peau noire, masques blanc. فهل حقًّا يمكن افتراض أنّه سها عن ملاحظة تأثير الاستعمار الفرنسي في انقسام الأهالي المـُسْتَعْمَرين في تونس وفي غيرها ؟ وما أظنّ الإجابة عن هذا السّؤال إلاّ بـ "لا" قطعا ودون لبس.

وبالتّعارض مع كتاباته في السّبعينات، يقدّم ممّي في روايته من نوع السّيرة الذّاتية "تمثال الملح" (1953) وصفًا أكثر متانة للتّوتّرات المتنامية بين المسلمين واليهود كنتيجة مباشرة للاستعمار الفرنسي. فالرّاوية ألكسندر مردخاي بنيلّوش، اليهودي التّونسي، يختبر الإيمان القاسي بمعاداة السّامية في السّياق الخاص للمنظومة التّربوية الاستعمارية الفرنسية خلال الاحتلال النّازي لتونس. نراه مثلا يضطرّ إلى التّخلّي عن دروس اللّغة العربية ويعوّضها بالفرنسيّة : "لا يتعلّق الأمر بفروق طفيفة بل بقطيعة تامّة... كيف لي أن أفعل ؟... أنا أجهل الفرنسية !" (4)

كان طلاّب آخرون، من اليهود والمسلمين، يسخرون من لهجته التّونسية : "لغتي الأم هي عاميّة مدينة تونس التي أتكلّمها باللّهجة المتقنة لأطفال الحيّ المسلمين وأصحاب العربات من زبائن المحلّ. يهود تونس ... يمطّطون مقاطع الكلمات، إنّهم يغنّون...وقد أثار تصحيحي النّسبي (للّهجة) سخرية الجميع؛ فأهل ملّتي كانوا لا يستسيغون تلك الغرابة أو يرون فيها افتعالاً، أمّا المسلمون فيظنّون أنّها تقليد مضحك". (5)

وعند وقوع تونس تحت الاحتلال النّازي، تتفاقم هشاشة وضع الرّاوية؛ ويستقرّ لديه أنّ حُماتَه الفرنسيين أنفسهم لن يمدّوا يد المساعدة وسيتمّ التّخلّي عن اليهود؛ وينتهي إلى القول (6) إنّه إذا كان من قبل "يرفض الشّرق"، فــإنّ "الغرب يرفضه" اليوم؛ وعلى عكس كتاباته السّياسية اللاّحقة التي تتبنّى الصّهيونية كحلّ وحيد للمشكلة اليهودية (7)، يختار المتحدّث في هذه الرّواية الأولى عدم اتّباع الصّهيونيّة رغم وعيه بأن تلك الإيديولوجية تظلّ اختيارا ممكنا. والواقع إنّ الصّراعات والتّوتّرات الداخلية لِبنيلّوش قد تُرِكتْ دون حلّ (فهل هو عربي أم يهودي أم بربري ؟ هل ينتمي إلى الشّرق أم إلى الغرب ؟)؛ وبذلك تكشف رواية ممّي عن الدّور المركزي للعدوان الأوروبي وسلوكه الاستعماري ومعاداته للسّامية في استحالة صورة اليهودي العربي.

"ثقافتي مُستعارة ولغتي الأمّ كسيحة ... ثقافتي فرنسية ولكني تونسي : أنا تونسي ولكنني يهودي ... أتكلّم لغة البلاد بلكنة خاصّة  لا تتوافق وجدانيا مع ما يؤثّر في المسلمين : يهودي غير إنّي قطعت مع الدّيانة اليهودية  ومع حارة اليهود... كان عليّ العثور من جديد على كلّ شيء بمفردي". (8)

يترك ممّي في روايته المتحدّثَ نهبًا لِشعور مدمّر ومأسوي بالتّمزّق والاضطراب ("العثور من جديد على كلّ شيء بمفردي"). ولعلّ ثمن عدم اليقين ذاك ـــ الحياة في المنفى وعدم الانتماء إلى أيّ مكان ـــ  هو المسئول عن التّحوّل الواضح في كتابات ممّي اللاّحقة حيث ينزع إلى تجاهل مسألة العنف الاستعماري والاستعاضة عنه بالقومية الصّهيونية كحلّ (وحيد) ومشروع لما يُسمّى بـ "المشكلة اليهودية".

في كِتابيْه "صورة يهودي : المأزق" (1962) و "تحرير اليهودي" (1966)، يحتجّ ممّي بأن أوضاع اليهود، وفي كلّ مكان، سواء تحت نظام مسيحي أو مسلم، في أوروبا أو في غيرها، كانت على الدّوام أوضاعَ اضطهاد. وباختصار، فهو يصف معاداة السّامية كحالة كونية. ومع ذلك وعلى عكس إيمي سيزير Aimé Césaire الذي يؤكّد في كتابه "خطاب حول الاستعمار" (1950) Discours sur le colonialisme ، على الرّوابط التّاريخية والإيديولوجية الواضحة بين اضطهاد اليهود والاستعمار، يفشل ممّي في الرّبط بين الظّاهرتين؛ والنتيجةُ انفصامٌ تامّ داخل كتاباته. إنّ "النّبي" الأكبر لمناهضة الاستعمار يتبنّى الصّهيونية دون أن يتساءل عن أبعادها ونتائجها الاستعمارية.

لا شكّ أنّ الحياة معقّدة وهناك دوما روايات متعدّدة للواقع وأنّنا جميعًا لا نرى الأشياء بنفس الطّريقة. ولستُ بصدد الإيحاء بأنّ ممّي غير محقّ في مساندته للصّهيونية؛ ولكنني أتساءل مع ذلك عمّا يدعو كاتبا لامعًا وعقلا سياسيّا حكيمًا إلى التّعامي عن الأبعاد العنصرية والاستعمارية للصّهيونية. وعلى نحو أعمّ فإنّها مسألة نظرية لا تتعلّق بممّي وحده وإنّما بمفكّرين كبار آخرين يظلّون ذاهلين عن وقائع يختارون عدم النّظر إليها. وسواء فشلوا في التّعرّف على العنصرية ومعاداة المثلية أو كره النّساء، فالنتائج تظلّ دائما سلبية. لذلك أرى أنّ علينا الاعتراف بفشل ممّي وذلك لما لتراثه من الأهمّيّة.

جيل هوشبرغ أستاذة اللّغة العبرية والأدب المقارن والدّراسات حول الشّرق الأوسط بقسم MESAAS (دراسات حول الشّرق الأوسط وجنوب آسيا وإفريقيا) في جامعة كولمبيا بنيويورك. يدرس كتابها الأوّل "رغم التّقسيم : يهود وعرب وحدود الخيال الانفصالي" (In Spite of Partition : Jews, Arabs, and the Limits of Separatist Imagination) (Princeton University Press, 2007) العلاقة المعقّدة بين الدّالّين "عربي" و "يهودي" في الأدبين اليهودي والعربي المعاصرين. أمّا كتابها الأخير "اهتمامات بصرية :  الاحتلال البصري وإبراز المرئي في منطقة نزاع" (نشر ديوك يونيفرستي بريسأ 2015) (Visual Occupations : Vision and Visibility in a Conflict Zone) (Duke University Press, 2015)، فهو دراسة للسّياسة البصرية للإسرائيليين والفلسطينيين. وتعدّ الآن كتابًا عنوانه : "لتصبح فلسطين : نحو خيال توثيقي للمستقبل" (Becoming Palestine : Towards an Archival Imagination of the Future).


(1) ألبير ممّي، يهود وعرب، باريس، نشر غاليمار، 1974، صفحة 59
(2) المصدر نفسه، صفحة 50
(3) المصدر نفسه، صفحة 50
(4) ألبير ممّي، تمثال الملح، باريس، نشر كورّيا، 1953. وتحيل أرقام الصّفحات على طبعة سنة 1988 (غاليمار). هنا الصّفحات (43 ـــ 44).
(5) المصدر نفسه، صفحة 43.
(6) المصدر نفسه، صفحة 321 و صفحة 352.
(7) يصرّ ممّي في جميع كتاباته السّياسية بدءا بـ "تحرير اليهودي" (1966) حتّى كتابه "وضع اليهود والأدب" (1985) على أنّ وجود إسرائيل هو الحلّ الوحيد للمعاناة والعجز والكآبة التي يحسّ بها اليهود في العالم بأسره.ويكتب في مؤلفه "الأرض الدّاخلية" (باريس، غاليمار، 1976، صفحة 214) أنّه لا بدّ من أمّة لمعالجة الوجود "الشّبحي" لليهود وأنّ إسرائيل هي، إذن، القادرة وحدها على أن تجعل منهم كائنات من لحم ودم.
(8) تمثال الملح، المصدر المذكور، صفحة 364.

نُشِر النّص الإنجليزي لهذا المقال من قبل Mondoweiss  في 25 جوان ـــ حزيران 2020. وترجمته إلى الفرنسية  CG و ترجمه للعربية علي اللواتي.