رفضا لبعث فرع الرّابطة العالميّة لمناهضة العنصريّة ومعاداة السّامية (LICRA) بتونس، ومساندةً للحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافيّة لإسرائيل: رسالة مفتوحة إلى الحبيب قزدغلي العميد السّابق لكليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة

Submitted by admin on Wed 21/11/2018 - 00:04
BDS

الأستاذ الحبيب قزدغلي

 

  في حديث لإذاعة "جوهرة ف.م." كنت صرّحت بأنّك "ضحيّة حملة ثلب متعدّدة الأطراف" مشيرا إلى "علاقة تلك الحملة ببحوثك الدّراسيّة عن الأقليّات بتونس، وخاصّة منها الأقليّة اليهوديّة".

 

وفعلا فقد دانت الحملة التّونسيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافيّة لإسرائيل (TACBI) بشدّة بعث فرع تونسيّ للرّابطة العالميّة لمناهضة العنصريّة ومعاداة السّاميّة (ليكرا- LICRA)، وهي منظّمة فرنسيّة معروفة بمساندتها اللاّمشروطة لدولة إسرائيل تحت غطاء التّصدّي لمعاداة السّاميّة.

 

هذا وقد أكَّدْتَ أنّ "لتلك الجمعيّة ــ خلافا لما تداولته الصّحافة ــ مبادئ تتّفق مع مصلحة البلاد"، وأوضَحْتَ أنّكَ "دُعِيتَ إلى النّدوة الصّحفية الافتتاحية بصفتك أستاذا جامعيّا لإلقاء محاضرة حول التّاريخ" و "إنّ هناك أشخاصا كثيرين يبالغون في المراهنة على الخلط بين الأشياء واللّهو ببث المزيد من التّشويش في العقول"، مضيفا، مع ذلك، أنّك "ضدّ التّطبيع مع الصّهيونيّة".

 

  وبصفتي عُضوا عاملا ضمن الحركة الفرنسيّة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وتسليط العقوبات عليها (BDS France)، فإنّني لا أشاطرك الرّأي بخصوص منظّمة "ليكرا" الصّهيونيّة، وبوسعي أن أشهد على شراسة هجماتها على مواطنين ومواطنات وشخصيّات وحتّى على بلديات مساندة للشّعب الفلسطيني. فالمنظّمة المذكورة لم تتورّع عن مقاضاة رئيس بلديّة  فرنسي كان قد قرّر، تضامنا مع الشّعب الفلسطيني، أن يمنح مروان البرغوثي صفة مواطن شرفيّ في مدينته؛ كما أنّها لا تفتأ تلاحق قضائيّا مواطنات ومواطنين يدعون إلى مقاطعة منتوجات تحمل إثباتا بأنّها إسرائيليّة بينما هي ترد، في الواقع، من المستوطنات المُقامة بصورة غير قانونيّة على الأراضي الفلسطينيّة.

 

  والواضح أنّ جمعية "ليكرا" التّونسيّة بمجرّد اختيارها لتلك التّسميّة، إنّما تندرج بوضوح ضمن اتّجاه زميلتها الفرنسيّة. ومن ناحيّة أخرى هناك معلومات صريحة تؤكّد صلات القربى بين الجمعيتين التّونسيّة والفرنسيّة كما أثبتها مقال نُشر على موقع هذه الأخيرة وتمّ حذفه بعد ذلك وإن لم يتمّ أبدا تكذيب ما جاء فيه، وهو لا يزال على صفحة التّخزين (page cache) بمحرّك البحث غوغل (Google)  وقد حفظته الحملة التّونسيّة TACBI على موقع web.archive. ويشير المقال إلى تاريخ الندوة الصّحفية الافتتاحيّة لجمعية ليكرا التّونسيّة (السّبت 10 نوفمبر) وإلى تاريخ التّسجيل بالرّائد الرّسمي للجمهوريّة التّونسيّة (يوم 22 جانفي 2018) وكذلك إلى تركيبة مكتبها وقائمة أهدافها؛ وهو ما يجعل إنكار الصّلة بين المؤسّستين أمرا في غاية الغرابة.

 

  لا أحد ينكر أنّ "ليكرا ـــ تونس" جمعيّة تونسيّة، غير أنّ ما لا يمكنُكَ إنكاره أنّها وقّعت اتّفاقا رسميّا مع "ليكرا ـــ فرنسا"، ودليل ذلك أنّ أعضاء آخرين من مكتب الجمعيّة التّونسيّة ممّن استقالوا أخيرا، يعترفون بذلك حتّى وإن رفضوا الإعلان عموميّا عن محتوى ذلك الاتّفاق.

 

   ولقد قدَّمَتْكَ "ليكراـــ فرنسا" بصفة أنّك الرّئيس الشّرفي والمسؤول عن لجنة "تاريخ وذاكرة"؛ فإذا كان فعلا ما ذَكَرْتَهُ "محض حملة ثلب متعدّدة لأطراف" كما تقول، فلِمَ لا تقاضي بالمناسبة منظّمة "ليكرا ـــ فرنسا" لعلّ ذلك يوضّح نهائيّا موقفك؟

 

  ولقد ورد في مقال سابق للأخير ضمن مدوّنة "ليكرا ـــ فرنسا" تمّ حذفه بعد ذلك وحفظته الحملة التّونسيّة (TACBI) على موقع web.archive ، أنّ "ليكرا ـــ تونس" دُعِيَتْ يوم 17 ماي 2018 إلى البرلمان التّونسي للدّفاع عن الموضوعات المحبّبة لـ "ليكرا ـــ فرنسا" وهي:

 

- تجريم أيّ شكل من أشكال الدّعم للقضيّة الفلسطينيّة بذريعة مناهضة معاداة السّاميّة.

- تغيير محتوى الكتب المدرسيّة وخاصّة كتب التّاريخ قصد حذف أيّ ذكر لـ "نكبة" الفلسطينيين بقيام دولة إسرائيل.

  ولكي يُفهَمُ خبثُ مناورات الأروقة حول الكتب المدرسيّة، يجدر بك الإطلاع  كمؤرّخ للأقليّات، على وثائق النّدوة المتعلّقة بعرض الصّراع الإسرائيلي ـــ الفلسطيني ضمن الكتب المدرسيّة الفرنسيّة، التي انتظمت في سبتمبر 2013 بمجلس الشّيوخ في باريس. ولنكتف بمثال وحيد ورد في إطار فصل مخصّص لـ "الأمم المتّحدة والمسألة الفلسطينيّة" ويتعلّق بكتاب أصدرته دار هاشيت للنّشر (Hachette) جاء فيه التّعريف التّالي للنّكبة : " طرد الأهالي الفلسطينيين خلال حرب 1948 الإسرائيليّة ـــ العربية". وقد أضطرّ النّاشر بفعل ضغوط الجمعيّات الصّهيونيّة إلى حذف هذه الفقرة، حيث أنّ جان ـــ مارك موسكوفيتش، رئيس جمعية "إسرائيل ـــ أوروبا" يقول : "إنّ الجيوش العربيّة هي التي دعت عرب فلسطين إلى الهرب. إنّ كلّ الذين أرادوا العودة بعد الحرب قد عادوا (...) لم تطرد إسرائيل أحدا".  وقد أثار ذلك التّدّخّل في نصوص الكتب ردود فعل تعادل في قوّتها شناعة ذلك التّزييف.

 

   إنّنا وقد تبيّن لنا كيف تخدم جمعيّة "ليكرا ـــ تونس" مصالح إسرائيل، لا نرى كيف يمكن لهذا الهدف أن "يتّفق مع مصلحة البلاد"؛ فضلا عن أن يكون فيه أيّ إشارة إلى مصلحة فلسطين.

 

  والواقع أنّ "ليكرا" تحوّل المبادئ التي تدّعي مناصرتها عن معانيها وليس لها من هدف سوى الدّفاع عن مصالح إسرائيل؛ وهكذا فإذا كان شخص ما مناهضا للصّهيونيّة وإذا دافع عن حقوق الفلسطينيين فهو معاد للسّاميّة حسب منظّمة "ليكرا". والواضح هذا الخلط بين الصّهيونيّة واليهوديّة ينطوي على قدر كبير من الخطورة إذ يخدم في الواقع معاداة السّاميّة ذاتها.

 

 ولكَ هنا مثالٌ يشهد اليوم على ذلك التّلاعب بالقيَم إذ تُحاول "ليكرا"، مستعينةً بمنظّمات صهيونيّة أخرى، أن تسوّق لدى المؤسّسات الأوروبيّة "التّعريف العملي لمعاداة السّاميّة كما عرضته الرّابطة العالميّة من أجل ذاكرة المحرقة" (IHRA). وتتألّف وثيقة هذه الأخيرة ـــ التي واجهتها انتقادات كثيرة ـــ من تعريف في أربعين كلمة ومن قائمة أمثلة لما يمكن أن يدخل، حسب أصحاب الوثيقة، في خانة معاداة السّاميّة. وتوحي بعض الأمثلة المذكورة بأنّ انتقاد دولة إسرائيل يُعْتَبَرُ شكلا من أشكال معاداة السّاميّة حتّى وإن خرقت الحقوق الأساسيّة للشّعب الفلسطيني أو مارست الميز العنصري أو أقامت المستوطنات اللاّقانونيّة أو ضمّت إليها الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. ولئن تمّت المصادقة على تعريف كهذا لمعاداة السّاميّة مع شموله، عن قصد، لأيّ انتقاد مشروع للسّياسة الإسرائيليّة، فإنّ ذلك يمثّلُ تهديدا حقيقيّا لحريّة التّعبير.

  

  إنّ تلك الممارسات هي التي تمثّل في النّهاية "مراهنةً على الخلط بين الأشياء واللّهو ببث المزيد من التّشويش في العقول" وليس التّنديد بتسلّل تلك الجمعيّة إلى تونس !

 

  إنّ الاحتلال والميّز العنصري كما تمارسهما إسرائيل هما من المسائل السّياسيّة ولا علاقة لهما بالدّين أو بمعاداة السّاميّة؛ فهناك يهود كثيرون يساندون القضيّة الفلسطينيّة ومنهم كثيرون يعادون الصّهيونيّة مثل رفاقنا في "الاتّحاد اليهود الفرنسي من أجل السّلام" (UJFP). ولعلّك تعرف أكثر من غيرك بصفتك مؤرّخا أنّ غالبيّة اليهود الأرثوذوكس كانوا بين نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين يرفضون الصّهيونيّة؛ وبموازاة ذلك، أظهرت التّحاليل خلال السّنوات الأخيرة أن مساندة اليهود الأمريكيين لإسرائيل قد شهدت انهيارا، خاصّة في أوساط الشّباب.

 

  فإن كنت تريد طمأنتنا بقولك إنّك "ضدّ التّطبيع مع الصّهيونيّة" فلِمَ لا تلبّي دعوة الفلسطينيين الذين يحاولون بما أوتوا من جهد مقاومة المشروع الصّهيوني؟

 

  لقد نادى المجتمع المدني الفلسطيني في 9 جويلية 2005 بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وإنزال العقوبات بها إلى أن تمتثل لقانون الدّولي ولمبادئ حقوق الإنسان الكونيّة. وقد بُعِثَتْ حركة BDS استجابةً لذلك النّداء على غرار حركة معاداة الفصل العنصري في إفريقيا الجنوبيّة. وكان من نتائج نجاح حركة BDS الهائل، خاصّة في الولايات المتّحدة وأوروبا، أن وصفَها الرّئيس الإسرائيلي روفن ريفلين (Reuven Rivlin) بأنّها "تهديد استراتيجي من الدّرجة الأولى" لإسرائيل.

 

 لقد نشرت الحركة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثّقافيّة لإسرائيل (PACBI) سنة 2007 تعريفا للتّطبيع يشمل "إقامة أي مشروع يغطي أو يميع وضع الشعب الفلسطيني كضحية للمشروع الكولونيالي الإسرائيلي أو يحاول إعادة قراءة تاريخ الصراع بحيث يقدم الرواية الصهيونية كرديف أو موازي للرواية الفلسطينية عن جذور الصراع وحقائق الاقتلاع والتهجي".

 

وقد أوكِلَ لحركة PACBI في إطار الهيئة الوطنيّة الفلسطينيّة الدّاعية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وتسليط العقوبات BDS، مهمّة الإشراف على الجوانب المتعلّقة بالمقاطعة الأكاديميّة والثّقافيّة فأقرّت منذ العام 2004 مبدأ مقاطعة المؤسسات الأكاديمية والثقافية الإسرائيلية باعتبارها شريكة على نحو مباشر أو غير مباشر في منظومة الاضطهاد الإسرائيليّة التي تنكر الحقوق الأساسيّة للفلسطينيين كما يضمنها لهم القانون الدّولي، أو تضع العراقيل أمام ممارستهم لتلك الحقوق، وخاصّة الحقّ في الحرّية الأكاديميّة والحقّ في التّعليم.

 

  إنّ حركة BDS (ومن ضمنها حركة المقاطعة الفلسطينيّة PACBI) المتجذّرة في مبادئ القانون الدّولي وحقوق الإنسان الكونيّة ترفض مبدئيّا مقاطعة الأشخاص على أساس الآراء أو الهويّة (سواء ما تعلّق منها بالجنسيّة أو العرق أو الجنس أو الدّين)؛ ولكن إذا كان الشّخص ممثِّلا لدولة إسرائيل أو لمؤسّسة تابعة لها، بصفة رئيس أو عميد، أو كان انتدب ذلك الشّخص من أجل المشاركة في جهود إسرائيل لتجميل صورتها، فإنّ أنشطته معرّضة للمقاطعة المؤسّساتيّة التي تدعو إليها BDS.

 

  أظنّ، إذن، أيّها الأستاذ الكريم الحبيب قزدغلي أنّ الأجدى بالمرء إذا أراد مقاومة الصّهيونيّة، أن يدعم الحركة الفلسطينيّة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وتسليط العقوبات عليها عوضا عن الالتحاق بمنظّمة "ليكرا". ذلك ينسجم أيضا مع رغبة المجتمع المدني التّونسي الذي أبدى استنكارا شديدا لحلول تلك الجمعيّة الصّهيونيّة الفرنسيّة بالتّراب التّونسي.

 

 ** أحمد عبّاس

مدير بحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) وبمعهد الدّراسات العليا العلميّة (IHES) بباريس. وهو أمين الجمعيّة الفرنسيّة للجامعيين من أجل احترام القانون الدّولي في فلسطين (AURDIP) وعضو الحملة التّونسيّة للمقاطعة لأكاديميّة والثّقافيّة لإسرائيل (TACBI).