بمناسبة الذّكرى العاشرة لحملة "الرّصاص المصبوب" على غزّة * قراءة في شريط "طريق آل السموني" للمخرج الإيطالي ستيفانو سافونا

Submitted by admin on Tue 29/01/2019 - 20:09
Samouni Road

ظلّ ستيفانو صافونا (Stefano Savona) عالم الآثار والأنثروبولوجيا  الإيطالي الذي تحوّل إلى السّينما الوثائقيّة محتفظا في أفلامه  بأسلوب الأثريين في مساءلة الذّاكرة والبحث في ثناياها عن أجزاء مبعثرة يرمّم بها صورا من حقائق إنسانيّة متلاشيةـ في علاقة برصد حيّ ومباشر للواقع. وقد دفعه ذلك إلى النّبش في ركام ما خلّفته البربريّة الصّهيونيّة من دمار ماديّ ومعنويّ في حيّ الزّيتون بضواحي مدينة غزّة  خلال حملة  "الرّصاص المصبوب" (ديسمبر 2008 ـــ جانفي 2009) وكان أن أنجز بأسلوبه التّحليلي المتّزن شريطا يحمل اسم تلك الحملة  أعقبه بعد سنوات بشريط ثان :"طريق آل السّموني"(Samouni Strada) بأسلوب يراوح بين الرّصد المباشر للواقع وبين تمثّله بتقنيّة الصّور المتحرّكة ويروي الشّريط أحداثا عاشتها أسرة غزّاويّة ذهب جلُّ أفرادها ضحيّة مجزرة اقترفها جيش الكيان الصّهيوني. وقد أحرز الشّريط الذي استغرق إعداده عشر سنوات، على جائزة "العين الذّهبيّة" في مهرجان كان الأخير (ماي 2018) في إطار "أسبوعي المخرجين".


قصّة إصرار على الحياة


   بدأت قصّة ستيفان صافونا مع عائلة السّموني المقيمة في "حيّ الزّيتون" القريب من الحدود الإسرائيليّة، سنة 2009 عندما كانا يصّور وقائع القصف الإسرائيلي على غزّة  يوما بيوم مشكّلا بذلك موضوع شريطه الأوّل « Piombio Fuso » (الرّصاص المصبوب). وقد التقى في نهاية الحملة الإسرائيليّة بمن بقي من أفراد العائلة بعد مقتل تسعة وعشرين منهم في مجزرة شنيعة بلغت حصيلتها سبعين ضحيّة بين شهيد وجريح. كانوا مجموعة من النّاجين رجالا ونساء وأطفالا التقى بهم بين ركام البيوت المهدّمة والأشجار المقتلعة وتركت شهاداتهم في نفسه أثرا بليغا وأكثر ما لفت انتباهه تعبيرهم عن واقعهم بمنطق يتجاوز البكاء والتّأسّي وبروح ترفض الانهيار أمام الفاجعة وقد اتّخذوا لسكناهم ملاجئ من الخيام المغبرّة وأكواخ الألواح والصّفيح. وقرّر أن يعود إليهم بعد سنة بمناسبة زفاف أحدهم أبنائهم.وقد كان الصّمود النّفسي للآل السّموني وإصرارهم على إعادة بناء ذواتهم وبيوتهم حافزا له على سرد حياتهم اليوميّة قبل الهجمات الإسرائليّة وما عانوه أثناءها وكيف بادروا لإعادة بناء إطار وجودهم من جديد بعد المجزرة.


رؤية فنيّة بأداة أنثروبولوجيّة


   اشتغل ستيفانو صافونا قرابة عشر سنوات على مشروع شريطه الوثائقي "طريق آل السّموني" مستندا إلى شهادات الفلسطينيين وتقارير الأمم المتّحدة والصّليب الأحمر ونتائج تحقيق صادر عن الجيش الإسرائيلي، وغاص في تلافيف واقع تلك الأسرة الفلسطينيّة قبل الحادثة وبعدها متطرّقا بعين الفنّان ومنهج عالم الآثار والأنثربولوجيا، إلى أدقّ خصائص حياتها الدنيويّة والرّوحيّة. وقد رسم لها لوحة عريضة غنيّة بالأحداث، طافحة بالمشاعر الإنسانيّة في إطار يحاصره ضيق الحال والجهل بما تخبّئه الأيّام. ويعرض لنا الشّريط العلاقات الأسريّة وإيقاع الحياة داخل البيوت وتفاصيل الأعمال المنزليّة  مثل إعداد الخبز اليوميّ والتّجوال في البساتين وجمع ثمار اللّوز والزّيتون؛ ويتخلّل كلّ ذلك ذكر الذين تخَطَّفَتْهم يد الغدر الصّهيوني تاركين من بعدهم أرامل وثكالى وأيتاما ووصايا بذلوها لذويهم بالتّشبّث بالأرض والعقيدة كثوابت تؤمّن لهم التّلاحم والاستمرار.

شجرة جمّيز كانت هنا ...


   صوّر ستيفانو صافونا تعلّق آل السّموني بهويّتهم من خلال ممارسات لها قيمة الرّمز مثل التّشبّث بالأرض واستمرار العناية بزراعتها وإعادة غرس ما أتلفه العدوان من أشجارها؛ ونرى هنا شغف الأطفال والشّباب بالحديث عن الأشجار وذكر أعمارها؛ وتحتلّ شجرة الجمّيز السّامقة  العتيقة التي اقتلعها القصف موقعا بارزا من القصّة، فهي رمز الاستمرار والقدم في المخيال العام حيث يُروى أنّها الشّجرة التي استظلّت بها أسرة يوسف النّجّار في طريقها إلى مصر خوفا على السيّد المسيح في طفولته، من بطش هيرودس ملك يهوذا. ونفهم الأهمّية الرّمزيّة لتلك الشّجرة من خلال لقطة في فاتحة الشّريط تُظهر الطّفلة "أمل" النّاجية بأعجوبة من المجزرة وهي تحدّد موضع "الجمّيزة" المعمّرة قائلة إنّها كانت تُظلّ الطّريق حتّى منتصف عرضه ويتسلّقها الأطفال لقطف الثّمارثمّ تواصل حديثها عن أزهار اللّيمون وعن النّباتات التي أتلفتها الحرب وكيف كانت تحمل القهوة لأبيها الشّهيد عطيّة وهو في الحقل. وتأخذها الخواطر إلى ذكرى يوم ممطر كانت تسرع فيه بالطّعام مع أخيها الصّغير أحمد (الذي استشهد هو الآخر) إلى أبيها وأخويها فرج وفؤاد المشتغلين مع أبيهم بجمع الزّيتون ؛ وتذكر الأب وهو يختبر فهم أولاده لآيّة من القرآن الكريم عن المطر وما يمنحه من خير وبركة للأرض؛ كما تحضرها اللّحظةُ التي خاطب فيها عطيّة أخاه أبو موسى في شأن زواج ابنيهما فرج وشفاء وحصول الاتّفاق بينهما. غير أنّ حملة العسكر الإسرائيلي قد عصفت بتلك الآمال والمشاريع موقعة الدّمار في الأنفس والبيوت والثّمرات. وتأخّر موعد زواج شفا وفرج إلى ما بعد سنة من الحرب وقد جعل منه المخرج نهايةً لشريطه؛ وكان بمثابة انبعاث جديد لأسرة السّموني بل للحيّ بأكمله ونبتة جديدة تُزْرَعُ في بستان غزّة الصّامد أمام العواصف.  


لا أمان مع عدو متربّص


   يبدأ الشّريط بصور كاميرا واقعيّة للطّفلة "أمل" وسط بيوت من الصّفيح وبقايا الدّمار الذي خلّفه القصف والتّجريف، ومعها تنطلق قصّة أسرة السّموني قبل الحرب وبعدها، قصّة أبيها وأمّها وأعمامها رشاد وطلال وإبراهيم وأبنائهم، سواء من حصده الموت أو من بقي منهم على قيد الحياة. ونفهم من لقصّة أنّ الأسرة لم تكن تُعنى كثيرا بالصّراعات السّياسيّة في غزّة، بل لعلّها اطمأنّت إلى حالة من الأمن النّسبيّ في جوار إسرائيل التي يعبر إليها يوميّا بعض رجالها للعمل. وقد نقل المخرج في شريطه ذاك الإحساس بالطّمأنينة عند النّاس قبل الكارثة لظنّهم بأن لا شيء في حياتهم كمزارعين بسطاء يمكن أن يجلب عليهم نقمة الإسرائيليين، حيث لم يكن بينهم مقاومين أو جهاديين؛ ولكن ذلك لم يشفع لهم وشهد حيّهم أفظع التّنكيل إذ تمّ قصفهم وإتلاف مزروعاتهم وحشرهم الكثيرين منهم في بيت ومن ثمّ إطلاق القذائف عليهم..

عمق الموضوع وطرافة التّقنية


عرض ستيفانو صافونا القصّة آل السّموني بالكاميرا على نحو واقعي من خلال شهادات الأحياء واختار لاستحضار الوقائع الماضية وأحوال الموتى، تقنيّة الصّور المتحرّكة ذات البعدين بالأبيض والأسود من إنجاز الفنّان سيموني ماسّي  (Simone Massi) إضافة إلى استعمال بعض الصّور الرّقميّة ثلاثية الأبعاد . ودعّم بذلك اتّجاها متناميا نحو استغلال الإمكانات التّعبيريّة للصّور المتحرّكة في السّينما التّوثيقيّة. وقد نوّه إيمانويل فينكيل (Emmanuel Finkiel) رئيس لجنة تحكيم جائزة "العين الذّهبيّة" التي مُنِحَتْ للمخرج في مهرجان كان الأخير (2018) بــذكاء البنية التي وضعها لشريطه والتزامه بالتّوازن في الرّؤية ورهافة نظرته والتمّيز والعمق في استعمال تقنية تحريك الصّور وقوّة أسلوبه السّردي.

علي اللواتي

جانفي 2017

*   المقل منقول بترخيص من مجلّة ليدرز العربيّة، تونس التي نشرته في عددها 37 (جانفي 2019).